«الفردوس المفقود» كقصيدة ملحمية في امتحان بارع للخير والشر (1667)

 

بقلم : الدكتور منير توما

كفرياسيف

 

لقد كتب الشاعر الانجليزي جون ملتون (74-1608) قصيدته الملحمية «الفردوس المفقود» (Paradise Lost) ، معيدًا قصّ حكاية طرد آدم وحواء من جنة عدن حيث أنّ هذه القصيدة الملحمية معتمدة ومرتكزة عميقًا على المعتقد البيوريتاني (التطهّري ذي النزعة البروتستانتية المتشدِّدة). ولكن الناس من جميع الأديان على الإطلاق مُعْجَبون بهذا الشعر البارع في امتحان الخير والشر .

وقد وُلِدَ جون ملتون في لندن لأبٍ بروتستانتي ، وتلّقى ثقافة واسعة بارزة في الكلاسيكيات ، الفن والعلوم . وكان يتكلم ثماني لغات قديمة وحديثة بطلاقة ، ومن خلالها كان لديهِ شعور مُتَحَكِّم بإيقاع وصياغة الكلمات ، بمزيد مُكَرّر باستماعهِ لمؤلفات والده الموسيقية . ولقد تبنّى الوزن الأيمبي المفضّل عند شكسبير في كتابتهِ لهذه الملحمة الشعرية ، الأمر الذي أدى الى ضمان وتأمين سمعته اليوم .

إنَّ الكثير من حياة ملتون وعمله الأدبي يمكن رؤيته بمصطلحات التراتبية أو التسلسل الهرمي . في «الفردوس المفقود» ، يَعْتَبِر ملتون المواقع النسبية للسماء في اعلى مكان ، الأرض في الوسط والجحيم في المكان السفلي أدناه . الديناميكية بين الرجل «الأعلى» والمرأة «الأدنى» تشكل أيضًا ثيمة أي موضوعًا مركزيًا ، مع أنّ ملتون في هذا الأمر إعْتُبِرَ أقل كُرهًا للنساء من الموقف السائد في أيامِهِ . وفي إيمانه المسيحي لم يكن ملتزمًا حازمًا ، بل يناقش ويجادل ضد التدخل الهرمي للمطارنة وحتى الكهنة والقُسس في الإتصال بين فردٍ والله .

وفي معتقداتهِ السياسية ، كان يقبل بأنَّ الطبقات الحاكمة قد حكمت نظرًا لكونهم يتمتعون بقُدرات عليا لفعل ذلك . لكنه كان أيضًا مُستاءً من عدم قدرة ملوك عائلة ستيوارت ، تشارلس الأول والثاني على الحكم بحكمة ، وبالثاني فقد أيَّدَ المسألة أو القضية الجمهورية في الحرب الأهلية الإنجليزية . وبناء على ذلك ، ارتفعت حظوظه تحت حكم أوﻟﻴﭬر كرومويل ، لكنه فقد الحظوة عند استعادة ورجوع الملكية بعد وفاة كرومويل عام 1658 .

وبينما كان ملتون غارقًا في الملاحم اليونانية واللاتينية لهوميروس وفيرجيل ، كان ملتون مصممًا منذ أيام كونه تلميذًا على كتابة مثل هذه الأعمال الأدبية بنفسهِ . وفي بحثهِ عن موضوع بطولي انجليزي مناسب ، قام أولًا بالتفكير في الملك آرثر الخرافي . لاحقًا ، فكَّرَ مليًّا بقصة حول بطلِهِ الحديث العصري أوﻟﻴﭬر كرومويل .

وفي النهاية كان اختيار آدم وحواء بمثابة رحيل من الأبطال العسكريين التقليديين. إنَّ مكان وزمان ومشهد ميلتون العائلي ، العلاقة بين شخصين عاديين ، هو إنساني ومتسامح ، وقد عُلِمَ ذلك من زيجاته الثلاث .

إنَّ نظرتهِ للمعركة بين السماء والجحيم هي ذات لون أو صبغة مُميّزة بفعل مسيحيتهِ الورعة وبكونه قد عاش خلال الحرب الأهلية الانجليزية .

وبعد أن تمَّ سجنه لفترة وجيزة بعد استعادة الملكية الانجليزية ، فإنّ فكرة ملتون عن البطولة الحقيقية كانت صحيحة لإيمانهِ ومعتقدهِ ولتحمله المعاناة التي رافقته في اضطهاده ومضايقته . إن «الفردوس المفقود» يشمل التجارب والمعتقدات التي تحكمت وسيطرت على حياة ميلتون . ولقد كان ملتون يُبشِّر في الواقع بالكثير من الخير ، وهو يلجأ الى ما كان يلجأ إليه الكتاب القدامى حين يعتذر بأنّه لم يكن باستطاعته في وقت ما أن يكتب ما كان يود أن يكتبه . إن ملتون كان يلوم السلطة الدينية «المطرانية» كما أشرنا ضمنًا فيما سبق ، وفي هذا الصدد ، يقول ملتون إنّها «بدافع حماقتها التي كانت تدفعها إليه ما ترتكبه من المظالم وأعمال التفتيش لم تكن تسمح لأي موهبة من المواهب الفائقة بالإزدهار» . في ضوء ما جاء في «الفردوس المفقود» ، يتّضح أن ملتون قد أسهم ، أو اشترك في الفكرة التي تقول إنّ الإنسان هو أسمى ما خلق الله ، وأنه سيّد الكون وأن المرأة يجب أن تكون مفيدة للرجل على الدوام ، ويجب أن لا تفكر لنفسها بتاتًا ؛ ومن اللافت معالجة ملتون لشخصية حواء وموقفه من النساء على وجه العموم . لقد كان ملتون يرى أنّ النساء يجب أن يخضعن للرجال في كل شيء ، وقد صوّر العلاقة المثالية أو النموذجية بين الرجل وزوجته كصورة آدم وحواء ، وهي صورة يقوم بها الزوج بكل التفكير بأسرتهِ ، وما على الزوجة إلّا أن تخضع لرجلها خضوعًا فيه حياء وكبرياء باحتشام ظاهر ، وعلى الزوج أن يبتغي وجه الله ، وعلى المرأة أن تعتقد أنَّ رجلها بالله أشبه : «هو لله ، وهي لله فيه» . وتجدر الإشارة هنا الى ما قاله الناقد الفرنسي دنس سيورات بأن ملتون قد جعل من نفسهِ بطلًا للفردوس المفقود وأنه «قذف بنفسهِ شخصيًا في المعركة ضد الشيطان» مع العلم أن معظم النقاد قد اتفقوا على أنَّ الشيطان هو البطل الحقيقي للفردوس المفقود .

ومن المهم أن نذكر أن ميلتون قد كتب «الفردوس المفقود» في غصون عشر سنوات ، وبعد أن كان قد فقد بصره . ويُشار الى أن العشرة آلاف سطر شعري «للفردوس المفقود» قد أملاها ميلتون على سكرتير له . إنّ هذه القصيدة كانت مُعَدَّة لأن تُقرأ ، وليس لكي تُتلى ، لكنَّ لغة ميلتون القويّة استحضرت الروح الخطابية للتقليد الشفهي في الشعر الملحمي اليوناني والروماني .

ورغم سقوط ميلتون الذاتي من النعمة بعودة الملكية بإعلانها عام 1667 ، فإنَّه قد تمَّ الإعتراف «بالفردوس المفقود» كعمل عبقري مِن قِبَل الأصدقاء والأعداء معًا .

إنّ تأثير هذا العمل كان له وقع وأثر بالغ على كتّاب ظهروا بعده (بما فيهم وليام بليك وميري شيلي) وهذا أكّد الزعم أو الادعاء العادل بأن يكون بين أعظم الأعمال الشعرية التي كُتِبَت في اللغة الانجليزية .

موقع الملتقى غير مسؤول عن المقالات المنشورة التي تعبر عن رأي كاتبها والموقع يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير .