الانتخابات الفلسطينية: هواجس من إجازة مرضية

  جواد بولس

مررت وما زلت بوعكة صحّية ألزمتني الفراش بضعة أيام، كسبت منها فائضًا من الوقت «وهدأة بال» لمتابعة تداعيات أخبار العالم وفي منطقتنا، بروّية وبنظرة شمولية رحبة، لطالما حرمتني منها الزحمة في حياتنا العادية، وتدافعنا وراء سرابها الدائم.
كلّ شيء حولنا تغيّر ويتغيّر بشكل جذري ودراماتيكي؛ وجميع شروط ولادتنا، كأقلية عربية صمدت في جحيم النكبة وعوملت على أرضها، «كعربوشيم/فئران» لتجارب المستعمرين الجدد، تبدّلت أو تبخّرت أو خضعت لعمليات تحوّل، اقتصادية/ اجتماعية / سياسية، لا يمكن في الحقبة المقبلة، إغفالها أو مواجهتها بالقوالب النضالية نفسها وبهديِ الشعارات التقليدية والهواجس النرجسية ذاتها.
في العالم أمست أمريكا سيدة الكون الجشعة، بينما لم تعُد روسيا كأمها «شمس الشعوب» التي استدفأت بنورها معظم الشعوب العربية، واحتمينا، نحن الفلسطينيين، بظلّ مطرقتها ومنجلها. فقد أبناء الضاد «عيونهم» وصارت العروبة، كبثينة ودعد وعزّة، وحْياً جميلًا للأناشيد وأعجازاً في القصائد. لم يعُد «الإسلام» عربونًا كي لا يذبح الأخ أخاه، بل صار إسلام جدّة خنجرًا في ظهر إسلام طهران وبخارى؛ وفي الشام بُعثت من جديد ملل الشهرستاني ونحله. وفي الصحراء غدا «الدون بن طرمب» أميرًا على «المؤمنين» الذين راحوا يضربون، كرمى لعينيّ شقرائه، أعناق «الخوارج» ويسحلون لأجله «الكفار» من أبناء القبائل. وصارت فلسطين أختًا للغيم ودمية من طين وغبار، ففقدت قدسها عند اعتاب السلاطين «دم البكارة» وحوصرت غزّتها وشُرّدت تفتش عن هاشمها وعن مهشّمها.

أنا كناخب ومواطن بحاجة لقيادة تقسّم ولاءها للجماهير ولمصالحها ولا تلهث وراء زعماء دول شقيقة أو حليفة أو غربية

لوهلة قد يظن المراقب أن قضية الانتخابات البرلمانية في إسرائيل، هي مجرد حدث ثانوي لا أهمية له في خضمّ ما يجري من تفاعلات صاخبة وأحداث دامية في جميع أرجاء العالم؛ وبالتالي فأهمية ما ستحققه القائمتان العربيتان اللتان تخوضان هذه الانتخابات، سيكون بحجم خربشة هزيلة على صفحة هذا التاريخ. هناك من يروّج لهذه المشاعر وهم يعرفون أن الواقع مختلف ومغاير، وهنالك من يغذيها برومانسية ثورية أو لإيمانهم الغيبي بأنّ النصر على إسرائيل، هذا الكيان «المزعوم» بات قاب قوسين ودعاء، والعدل، هكذا يؤمنون، رغم قهقهة الأيام، من سنن الحياة وفضائلها غير الزائلة. لم أوافق في الماضي مع من يلغي ضرورة مشاركتنا، نحن المواطنين العرب، في الانتخابات الاسرائيلية، أما اليوم فقد تعززت قناعتي كثيرًا بأهمية هذه المشاركة، لأن لنتائجها تأثيراً كبيراً على مستقبلنا وعلى مكانتنا في الدولة، لاسيما إذا تخيّلنا كيف ستتطاوس إسرائيل الجديدة كقلعة في المدى عامرة، وكيف ستقف جيوشها حماةً لقصور أخوتها العرب المستعربة والعاربة! كل من تابع الأخبار رأى كيف يبتلع ليل إسرائيل نجوم الشرق، ويفترش جرادها سفوح الهضاب ويلتهم طرابين الفجر وأنفاس الشجر؛ فقريبًا سيصبح «الولاء» في إسرائيل، عتبة للخبز وسلّمًا للعيش خارج الحفر، وستبحث هوية المواطن العربي فيها عن حيّزها الملتبس بين «سيقان البامبو» الشرقأوسطية وخرائب أحلام دارسة وخرائط من عدم.
لن اتطرق لقرار لجنة الانتخابات العنصرية التي قضت بشطب قائمة «الموحدة والتجمع» وشطب عضوية المرشح اليهودي في قائمة الجبهة الدكتور عوفر كسيف، فسأنتظر حتى تقرر محكمة العدل العليا في هذه المسألة، لأنني أتوقع أن تقبل التماسات المتظلمين وتلغي قرار اللجنة العنصري الجائر. هذا رهاني الحالي وقد أخسره، فالمحكمة العليا تنازع بعد أن اخترقتها كتائب اليمين الكاسر، حتى بات سقوطها في قبضته الفولاذية بعد الانتخابات مباشرة وشيكًا. لا أستوعب من أين يتزوّد المقاطعون بثقتهم المطلقة بصحة موقفهم، ولا أفهم كيف تضرّ مقاطعتهم للانتخابات بإسرائيل، ولا كيف تتأذى مصالحها إذا استمر الآلاف منهم بالدعاء عليها بالموت وبالتنظير، لكونها لقيطة فاقدة لشرعية الحياة، بينما يستأنف «الثوّار» و»الدعاة»، في الأصبحة، حياتهم الطبيعية كمواطنين يحيون في شرايينها ويعتاشون على أوردتها. حقهم في المقاطعة مكفول، ولكن واجب الأحزاب والحركات غير المقاطِعة، بالمقابل، أن تواجههم بالحجة وبالعقل. يوم المعركة قريب جدًا وسلوك المتنافسين في القائمتين ما زال تحت سقف التوقعات والضرورة، وبعضهم يصر على تصفية حسابات الماضي، رغم انهم كانوا، خلال مسيرة التفاوض، سواسية كأسنان المراوغة. لن يفيد النبش في الجروح، والغرق في نشوة النرجسيات القومية عقيم؛ أقول هذا وأتمنى أن أكون مخطئًا، ففي حين توجهت «الجبهة الديمقراطية» و»العربية للتغيير» إلى رئيس القائمة «الموحدة والتجمع» الدكتور منصور عباس وطالبته بتوقيع اتفاقية فائض أصوات بين القائمتين، فذلك «سيضمن الحفاظ على أصوات جماهيرنا وتعزيز التمثيل العربي والديمقراطي ويبث أجواء التعاون والعمل المشترك بين الكوادر والمؤيدين، وعموم أهلنا في الجليل والمثلث والنقب»، أصدر رئيس حزب التجمع الدكتور إمطانس شحادة، بعد أن سبقه لذلك زميله الدكتور عباس، بيانًا رد فيه على توجه الجبهة المذكورة أعلاه قائلًا «موضوع فائض الأصوات هو موضوع تقني وليس إنجازا وطنيا، كما قال زميلي عباس منصور. مجتمعنا بحاجة إلى قيادة جديدة تضع مصلحة الجمهور في المركز، عبر عمل جاد ومدروس، بعيدا عن الشخصنة والظهور الإعلامي بالمنصات والشعارات، لا بد من تراجعكم واعتذاركم قبل فتح صفحة جديدة بين الأحزاب، من أجل مجتمعنا».
لا أعرف من نصح «الموحدة والتجمع» برفض مبادرة الجبهة والتغيير، ورفض نهج المصالحة والتسامح غير المشروط، ولا أعرف إذا كان هو الذي نصحهم في حينه بتبني تكتيكاتهم التفاوضية في مرحلة ما قبل التكوين، لكنني على قناعة بأن النصيحتين لا تصبّان في مصلحة الجماهير ولا في مصلحة التجمّع أيضًا. لقد علّمَنا تاريخ الاقليات، أن مكاسب حروب الاشقاء ستبقى، كما كانت دومًا، مخاسرَ للنفوس، وتآلفَ النفوس سيبقى، كما كان دائمًا، قوة لا تجارى في الحروب.
ستنتهي المعركة الانتخابية صبيحة العاشر من إبريل/نيسان وسيفيق المواطنون العرب في إسرائيل على ظهور مراكب متعبة، وسيكتشفون أنها غير قادرة على مواجهة موج المملكة الجديدة، وسيدركون أنهم بحاجة إلى بحّارة جدد وإلى وسائل نقل عصرية وحصينة ومنيعة. لا أعرف إذا ما ستتراجع القائمة «الموحدة والتجمع» عن شرطها، فإمّا اعتذار الجبهة والطيبي، وإما الطلاق منهم والمضيّ في طريق النار؛ لكنني كناخب سيهمني ما سيكون بعد هذه الانتخابات. فأنا بحاجة إلى قيادة تعدُني بأنها ستعمل على إعادة النظر في جميع أواصر روابطنا، نحن المواطنين العرب، مع منظومات الحكم التي ستفرزها الانتخابات المقبلة، وتعدُني بإعادة النظر، بعيدًا عن الشعارات، في رزمة التعريفات الناظمة لمعنى حقوقنا المواطنية وكيفية انتزاعها من مؤسسات الدولة، حتى تلك التي تتصرف معنا بعدائية وبإقصاء ظاهرين. وأنا كمواطن وناخب بحاجة لحزب يتبنى قادته قضية محاربة العنف المستشري في مواقعنا بجدية وبمهنية وببرامج حازمة، تضمن علاوة على انخراط تلك القيادات في مواجهة مصادر العنف ميدانيًا، التأكيد على سعيهم وراء أجهزة الدولة المتهادنة مع هذه الظواهر، وعدم اليأس من ضرورة إلزامها بالتجند في هذه «الحرب»؛ خاصة بعد أن صرّح بعض المستشارين الأمنيّين الإسرائيليين البارزين بأنّ تصدّي أجهزة الدولة لظاهرة العنف بين العرب، يعتبر مصلحة استراتيجية قومية إسرائيلية عليا. وأنا كناخب ومواطن بحاجة لقيادة تقسّم ولاءها للجماهير ولمصالحها ولا تلهث وراء زعماء دول أجنبية، شقيقة أو حليفة أو غربية، أو وراء من يرفل في أحضان زعماء هذه الدول ويطرطش أتباعه بخمسات من فضة. وكذلك إلى قيادة تحارب التعصّب والمتعصّبين بلا مداهنة ولا طبطبة، وتقف في وجه من يدعو إلى الفرقة وإلى الفتنة وإلى إلغاء الغير ومحاربة المختلف.
ونحن بحاجة إلى قيادة لا تعمل من أجل ترسيخ انتماءاتنا الملّية واعتمادها كمساطر في تركيبات القوائم الانتخابية؛ فقد أثبتت التجربة أن تخصيص مقعد لدرزي أو لمسيحي أو لبدوي لم يمنع تلك التجمعات من الغرق في شرانقها؛ فالأَوْلى أن يواجه القادة ومؤسساتنا المدنية مَن وما ينمّي تلك الظواهر وما ومن يحمي ذلك الواقع، على أن يتمّ ذلك بوسائل مبتكرة ومؤثرة لا من خلال آلية أثبتت فشلها الذريع.
الانتخابات ستنتهي وسيُزهر نيسان مواجع جديدة ويهديها للجماهير التي ستبقى تفتش عن مراسيها وعن ولادة فجر جديد.