بين عادل ومحروس.. علينا انقاذ النفوس

زياد شليوط

منذ أن وصلني خبر قتل الشاب الشفاعمري، عادل أشرف خطيب الأسبوع الماضي، عادت بي الذاكرة سنوات الى الوراء الى العام 2013، الى جريمة قتل الشاب محروس زبيدات في حيفا، الذي قتل في ظروف مشابهة، وشعرت أن الجريمة المذكورة تعود على نفسها. شاب لطيف، محبوب، يحب الحياة، خلوق، يقع في مشكلة "صبيانية" مع أتراب له من نفس الجيل، بل ويعرفون بعض وربطت بينهم يوما ما علاقة صداقة. المشكلة لا تجد من يعالجها أو يهتم بحصرها ووأدها من بدايتها، أو يتم معالجتها بصلحة سريعة بين شباب. الخلاف يتفاقم بروح طيش الشباب، الذين يظنون الكلمة جبلا ولا يزال إلا بهدمه. نزق الشباب لا يمهل القاتل/ القتلة العد للعشرة، أو التفكير بفداحة وانعكاسات ما سيقدم عليه، رعونة الشباب لا تسمح له باللجوء الى من هو أكبر سنا للمشورة والمساعدة. يعتبرون أن "كرامتهم" زعزعت بكلمة عابرة أو سلوك صبياني، ويكون القرار "عليّ وعلى أصدقائي".

أحدهم يهاتف الشاب المقصود. الشاب صاحب "كرامة" أيضا، وعزة نفسه لا تقبل تأجيل الأمر، أو التفكير بأبعاد الخطوة القادمة. يترك البيت على عجل ليقابل خصمه، ربما بهدف التفاهم، ربما بقصد وضع حد للخلاف، ربما للنقاش والاتفاق. لكن الشباب لا يعرفون معنى النقاش ولا كيفية التفاهم، كلمة من هنا، إشارة من هناك وبلحظة غضب أرعن يستل أحدهم أداة تكون الوسيلة الوحيدة لانهاء المشكلة بشكل تراجيدي.. وتبدأ المصيبة التي تطال أهل القتيل والقاتل، ثم الأقارب والجيران وأهل البلد والمجتمع عامة.

في أعقاب مقتل محروس خرجت حيفا العربية ومعها ممثلون لهيئات وجمعيات عربية في مظاهرة جبارة، أطلقت التصريحات رفعت الشعارات جلجلت النداءات، واطمئن الكثيرون أن الجريمة لن تتكرر أمام موجة الاحتجاج والغضب الواسعة.. وبعد فترة وجيزة عاد الجميع الى ما كان عليه، إلا الأهل -بدعم ومساندة مجموعة صغيرة وخاصة جمعية التطوير في حيفا- الذين عاشوا مع حزنهم واحباطهم وخيبة أملهم، وصراعهم مع التحديات الجديدة والصعبة في تثبيت رسالة ابنهم السلمية "المحبة + أمان= حياة"، حتى وصلوا العام الماضي، الى إقامة بستان الصداقة في مدرسة المتنبي، حيث درس محروس.

واليوم هناك من يدعو الى التظاهر بعد كل جريمة، وكأننا لم نتظاهر في شفاعمرو بالأمس القريب ووصلنا الى مركز الشرطة، وبعدها عدنا وواصلنا حياتنا ومسيرتنا اليومية التي تنهكنا. فهل التظاهرات والوقفات ورفع الشعارات، هو الحل والدواء لهذه الآفة او المرض الذي يتفشى في مجتمعنا. ماذا ستفيدنا مظاهرات الغضب وبعد أيام يعود الجميع الى ما كان عليه، وتبقى العائلة الوالد والوالدة والشقيقات لوحدهم يصارعون الحياة القاتلة التي دخلوا اليها.

كنت أتوقع من بلدية شفاعمرو أعلى هيئة في المدينة، أن تدعو لاجتماع طاريء ودائم الانعقاد، لا ينتهي الا بوضع التوصيات والتصورات والاقتراحات العملية. اجتماع يدعى اليه ممثلو المدارس والمختصون في التربية، ممثلو الجمعيات والأندية المحلية كافة، محامون وآخرون من رجال ونساء، آباء وأمهات. الجريمة التي طالت المغدور الشاب الوسيم والبريء عادل أشرف خطيب، والتي هزت المجتمع العربي بأسره، وجعلت شفاعمرو في حالة صدمة وذهول لم تشهد مثيلها في الجرائم السابقة، تشكل مفصلا واضحا في ردود الفعل عند طلاب المدارس وجمهور الآباء والأمهات وكل الأهالي في شفاعمرو، ويجب أن تتحول موجة الغضب والحزن الى خطة عمل، الى عهد اجتماعي باتفاق الجميع على وضع ضوابط اجتماعية وتربوية جديدة، تنظم العلاقة بين المعلم والطالب في المدرسة، بين الأهل والأبناء في البيوت، بين المواطنين في الشوارع، ترعاه وتشرف عليه هيئة محلية، عليا، عملية تتشكل من قانونيين وتربويين وشخصيات مجتمعية مسؤولة.

إضافة الى ذلك، يجب الإعلان عن يوم 5/12 من كل عام، يوما لنبذ العنف في شفاعمرو ومن أجل التسامح والحياة، ومن أجل ذكرى المغدور عادل خطيب، تقام فيه الفعاليات والنشاطات داخل المدارس، وكذلك في المؤسسات والشوارع من أجل زرع قيم المحبة والأخوة والتسامح ونبذ العنف والكراهية والشر من نفوسنا ومجتمعنا.

لا يعقل أن يعود المجتمع الشفاعمري خاصة والعربي عامة، الى نهجه اليومي العادي بعد جريمة قتل عادل خطيب، دون وضع ضوابط مجتمعية وتربوية جديدة، وإلا فنحن نستحق ما يمر علينا من ويلات.