رفيق حزّان، أبو الصافي، فنّان يحمل عبق التاريخ!

 

  

 

بقلم: د. بطرس دلة

منذ أكثر من ستين عاما، وهو يحتضن آلة العود كآلهة عاشقة معشوقة، وبأنامل يسراه كان ولا يزال يتحسّس أوتار زندها أو لوحة دوساتها، وبيمناه يداعب أوتارها فتصدر عنها أنّات وألحان تنعش الفؤاد وتردّ الروح. ولم يخيّب شوق آلة الكمان فكان وما زال يُعانقها كعاشق ولهان، وكذا يفعل مع آلة القانون العربية ذات الأصول الآشورية وذات الثمانية وسبعين وترا، والتي يُعتقد أنّ الغرب أخذ عنها آلة البيانو المعروفة .

مع بداية سنة1953، وهو في سن السابعة عشرة، طلب منه البروفيسور إلياس حنا توما، رئيس النادي الثقافي الرياضي في كفر ياسيف، إقامة فرقة موسيقية للنادي تضم مجموعة من العازفين ومن هواة الموسيقى والغناء. واختاره أعضاء الفرقة بالانتخاب رئيسا للفرقة التي قدّمت في أول عمل لها، أمسية فنية بسينما مغربي بتل أبيب – يافا حيث كانت المعزوفة الأولى في الحفل “بلدي المحبوب” للموسيقار محمد عبد الوهاب.

كان النادي يقع في مركز كفر ياسيف ويضمّ عشرات الشباب المثقّفين من أبنائها، خاصة عشاق الكلمة منهم، لذلك فقد كان أعضاء النادي مبادرين الى عقد لقاءات عكاظية دُعي اليها عشرات كبار الشعراء المحلّيين في حينه أمثال حنا إبراهيم، حنا أبو حنا، محمود درويش، سالم جبران، عصام العباسي، راشد حسين، توفيق زياد، جورج نجيب خليل، حبيب زيدان شويري، سليم مخولي وغيرهم الكثير. كانت تلك الأمسيات تجمع آلاف المتعطشين لسماع الكلمة الحلوة. يجلسون على كراسي القش المنخفضة التي كانوا يجمعونها من البيوت، ويستمعون بشغف الى ما يلقيه عليهم هذا الشاعر أو ذاك، طوال ساعتين وأحيانا ثلاث ساعات.

وينبري من بين الصفوف شابّ مفتول الساعدين يحمل بيده اليسرى (فقد كان عسراويا) سيفا حقيقيا يلوح به راقصا على أنغام الكلمة الحلوة وتصفيق الجمهور المنفعل ولا يهدأ الهياج إلّا بعد أن يعاود الشاعر ترديد آخر بيت أعجب الحاضرين.

وهكذا هو الفنان رفيق حزّان ابن قرية أبو سنان الجليلية، والمعروف بكنيته “أبو الصافي”، فنان موهوب عاش حياته بصحبة آلات العزف المختلفة، علّم الموسيقى طوال ستة وعشرين عاما في مختلف المدارس الابتدائية في الجليل الغربي، ووضع سلسلة من كتب تعليم الموسيقى للصف الخامس والسادس والسابع. أسس الفرق الموسيقية لإحياء الحفلات العامة والخاصة والمدرسية. وحاضر ودرّس العود والكمان في معهد روبين في حيفا.

رفيق حزّان، أبو الصافي، تلقّى علومه الموسيقية في معهد الفنان الكبير صدقي شكري، ابن عكا، وقد رافقه في الدراسة الفنية في هذا المعهد مجموعة من هواة الفن والعزف، منهم كاتب هذه السطور على آلة الكمان، والفنانان توما أبو عقل ويوسف مطانس (الرهوان) ومنير مرقس على آلة الكمان أيضا. ثم التحق بالفرقة الفنان المغنّي فهيم سليم جريس والفنان سليم هكول على آلة العود. وكان ضابط الإيقاع لهذه الفرقة الفنان المحبوب جورج لاذقاني، الملقب دحبورة، ومعه ضابط الإيقاع الفنان سمعان كرينّي. أما الغناء فكان يشارك فيه الفنان فهيم سليم جريس والفنان سليمان مرقس والفنان سعيد بولس.

كان هؤلاء الفنّانون والعازفون طيلة أكثر من عشر سنوات، يحيون السهرات الرائعة في مختلف المناسبات تطوّعا وبدون مقابل وإلى ما بعد منتصف الليل أحيانا. وكان الفنّان أبو الصّافي يتناوب العزف على العود أو الكمان حسب ضرورات السهرة. هذا النشاط الفنّي الموسيقي كان رائدا في تاريخ كفر ياسيف والمنطقة ولا يمكن أن يكتب تاريخ هذه القرية الصامدة دون تأكيد ما قدمته هذه الفرقة من خدمة للحركة الفنية في البلاد. ولو عدنا الى صديقنا رفيق حزّان، أبي الصافي، لذكرنا أنّه كان إنسانا ملتزما، ذكيا، وفنانا موهوبا، ووطنيا جريئا في مواقفه السياسية. وكنّا نعتزّ به لأنّه كان عضوا في كتلة المعلمين الديمقراطيين ملاحقا من قبل سلطات الأمن والحكم العسكري مهدَّدا بمحاولات تضييق العيش.

الى جانب دوره كفنّان عازف كان صوته جميلا وكان موهوبا في كتابة كلمات الأغاني وفي شعر الزجل حيث كان يجيد قول مختلف الأزجال من المعنّى الى القرّادي الى المثمّن والمربّع والشروقي والعتابا وغيرها من أنواع الغناء. وكان يحفظ الكثير من المواويل والعتابا والميجانا فكان يبدع في السهرات بخفّة دمه وحركاته الرائعة التي كانت محطّ أنظار الحضور. ويبدع أكثر ما يبدع في تقسيمه على آلتيّ العود والكمان.

في عام 1964 أسس أبو الصافي في كفر ياسيف، معهدا لتعليم الموسيقى في النادي الثقافي المذكور، وفتح فرعا له في مجد الكروم، تخرج منهما عدد من العازفين ومعلمي الموسيقى. كما أنّه أسّس عدّة جوقات غنائية. وقد شاركت هذه الجوقات في عدّة مسابقات فنّية ونالت العديد من الجوائز. ولن ننسى في هذا المجال أنّ الاهتمام بالفنّ والموسيقى في سنوات الخمسين والستين من القرن الماضي كان قليلا جدا، فقد كان في البلاد مركزان فنّيان فقط، أحدهما في الناصرة بإدارة الفنّان ميشيل درملكنيان والثاني في كفر ياسيف بإدارة الفنان رفيق حزان. هكذا إذن كانت كفر ياسيف سبّاقة في هذا المجال.

كان لأبي الصافي العديد من الأصدقاء، من الفنانين في الداخل وممن قدموا الى البلاد من البلاد العربية، فشارك بعضهم في العديد من الحفلات ومنهم الفنان نسيم روسو والفنان العراقي روبين محفوظ والفنان المصري سليمان والفنان سليم غزالة.

من المواويل التي كانت محبّبة لديه نذكر الموّال التالي:

حبيت مرة زوركم عند السحر – ورجعت لما ما قشعتلكم أثر

ومثل ياللي زار مقام الولي – اكتفي من زيارته بلمس الحجر

والموال التالي:

قللي الحكيم بريق قلبك افتحه – تاصلّح الدقّات بين مراوحه

خمن دموعي راح يصيروا يسبحوا – قلت افتحه لكن عند ما تفتحه

لا تغمق السكين دخلك يا حكيم – خوفي ليوصل للحبيب ويجرحه!

أبو الصّافي قامة فنّية شامخة، نشيط جدا ولا يتوقف عن العمل … ولكنّه لا تمرّ ساعة دون أن يترك العمل ويلجأ إلى إحدى آلاته الموسيقية يحتضنها بحنان ومحبة كما يحتضن العاشق محبوبته.
فيا أيّها الفنّان الرفيق، رفيق حزّان، أبا الصّافي، أنت تحمل عبق تاريخ الفنّ في هذه البلاد التي يُخلّدها الفنّ والإبداع، ونحن نتمنّى لك طول العمر ومتابعة مسيرتك الفنّية خدمة لمجتمعك وشعبك والحركة الفنية في بلادنا عامة.

لك الحياة!

كفر ياسيف

حزيران 2017