كلّ مرّة أقول لك لا تسِر إلى جانبي، تعرف عشقي لك..تربكني وأنتَ تلملم ذكرياتِنا، وترسم معي ذكريات جديدة. ألى أين المسير؟؟
- هيّا اركبي سننطلق! 
ونركب في عربةٍ مع الرومان، تقترب مني تريد أن تهمس في أذني شيئًا، أتذكّر امرأ القيس مع عنيزة حين قال لها: "سيري وأرخي زمامه ولا تبعديني من جناكِ المعلّل".. وأيّ جنى سنقطف اليومَ؟
سارت بنا الخيول تجرنا على الحجارة الصخريّة وتجري بنا.. انظرْ هناك ترَ العجلات قد حفرت لها مسارًا في طريق الحجارة.. أسمعُ أصوات الباعة، أشمّ روائح الزعتر والفيجن..سنشرب معًا الميرميّة التي سمّوها "الميريميّة" نسبة إلى مريم العذراء..
- مريم العذراء وُلدَت هنا في صفورية، انظري، على هذه الحجارة وُلِدَت...
ويصبح البشر أيقونات، وتبقى الحجارة شواهد..
وأنظر، وأغيب مع طهارة وإيمان لا مثيل لهما، شكرًا لك يا الله لأنّني وُلدتُ وعشتُ حيث عاشت سيّدتنا مريم..شكرًا لله على نعمة ولادتنا في مثل هذا المكان الذي تزاحمت حوله وعليه الحضارات، كلّ يوم أكتشف أثرًا جديدًا..فالقدسُ فالناصرة لم يعفُ رسمُها لِما نسجَتْها من جنوبٍ وشمألِ..ترى قطَعَ التاريخ في عَرَصاتها وقيعانها كأنّها حبّ فلفل...
- حَبّ فلفل؟
- نعم، قِطَع التاريخ تضيف نكهةً حارّة تفلفل حاضرنا...
- أذًا، أنا مهمّ..
أنظر إليه بطرف عيني.. إذا جئت فامنح طرف عينك غيرنا كي يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر...
-إلى أين تأخذني؟ 
- إلى ألفي عام قبل الميلاد..رحلتنا طويلة..
يا لروعة المكان، والفسيفساء تملأ الأرض..إنّها قصّة النيل مرسومة على الفسيفساء، ذكريات امبراطوريّات عانقت المجد، واللوحة تكاد تنطق، هذا برج الاسكندرية، وهذه الفتاة التي كانوا يضحّون بها للنهر ليعطيهم الخير...اتركني أيّها التاريخ..لا تعبث معي مجدّدًا، بالله عليك..ياه لروعة الفسيفساء والفنّ..الحجر قرب الحجر، كلّ حجر حسب لون المعدن الذي يتكوّن منه ... يشكّلون أجمل اللوحات، كانوا يرصفون الحجر الصغير قرب الحجر، هل من هنا نستعمل نحن كلمة "مفسفِس" بمعنى صغير جدًّا؟ وطائر الفِست هل أخذ اسمه من صِغر حجمه؟ وهل كلمة فسيفساء عربيّة أم أنّ اللغات تتلاقح كالحضارات؟ كيف رصفوا الحجر قرب الحجر بأناقةٍ لترى النمور والأسود والغزلان والفئران؟..يكتبون تاريخ المنطقة بالفسيفساء، ونحن نكتب تاريخ المنطقة بالدماء...نصرّ أن تكون لنا..يصرّون أن تكون لهم، وهل تعرفون من أيّ سلالة أنتم؟ ربّما تنحدرون من السلالة الرومانية التي سكنت المنطقة، أو من السلالة الكنعانية أو الفينيقيّة..أو..أو.. كلّهم مرّوا من هنا، كلّهم عاشوا وكانوا هنا...يا لروعة الآثار القديمة، هذا العمران هو الشاهد على وجودهم وبقائهم، فهل عمّرنا نحن اليوم غير خرابنا؟؟ فلنعمّر دواخلنا بالمحبّة والانتماء علّنا نترك شواهد حضاريّة للتاريخ..
-
- تعالي..
- أنهكتني، ألى أين؟
- انظري، اسمعي، تمتّعي...
- المدرّج الرومانيّ، تعال أنصِت لإيقاع الحفلات والغناء...
تعال اسمع أصداء المبارزات..تعال أعنّي على تحمّلك أيها التاريخ..هذه القلعة على أعلى التلّ، صليبية، بيزنطيّة، عثمانيّة، كلّ طابق فيها بنته حضارة، وظاهر العمر كان هنا.. اصعدي هيا..ياه كل هذا الدرج..قطعتَ نفَسي وأنا أركض وراءك...
اصعدي بسرعة سترين كلّ الناصرة والمنطقة...
- هل سأسمع وردًا حين ورد البحيرة شاربا ورد الفرات زئيره والنيلا؟؟هل حقّا كانت الأسود تعيش في منطقتنا؟ أين اختفت؟ هل من أسودٍ بشريّة تعيش معنا اليوم؟ كم أحبّ الأسود بزئيرها المعلِن ملوكيّة الحياة، بضحكةِ عينيها وهي تفتحها على مثل هذا المكان..
إلى أين أركض خلفك؟؟ أعشقك أيّها التاريخ؟ أعرف.. لكن رفقًا بي..
أتعبتَني وأنا أحاول أن أكتشف ذاتي معك..أبحث عنها في كلّ معْلَمٍ.. هل كنتُ هنا؟ هل رأيتُ السيوف تلمع كبارقِ ثغركَ المتبسّم؟؟ من هنا كانت تسير مريم العذراء حتى الناصرة لتخدمَ الله.. ونحن مَن نخدم اليوم حين نشوّهك ونقتلك ونحاول أن نعيد أمجادك الضائعة على حساب جثثنا وحقدنا وكراهيّات متوارثة...
انتظر، أصغِ ما هذا؟ صوت مياه متدفّقة؟؟ 
- تعالي سندخل الأنفاق..
- الأنفاق؟
- أنفاق المياه التي حفرها الرومان تحت الأرض ليهتموا بأكثر من حوالي أربعين ألف مواطن سكنوا صفورية قبل ألفي سنة..جمعوا مياه القرى المحيطة الرينة والمشهد وكفركنا وما تساقط من علياء قممهم، سيّروها في قنوات، وحفظوها في أنفاق..المكان معتم..
أضيئي مصباح هاتفك..
- والله! تاريخٌ متحضّر حضرتك..
- لا تهزئي مني..أنا الماضي والمستقبل..
- المكان ضيّق...
- القنوات بعرض 60سم في النفق، أخفضي رأسك، انزلي، الارتفاع هنا 40 سم.. هيا أسرعي..وأرى النور في طاقة عشّش فيها الحمام..هل سنرى النور في آخر النفق؟؟
- متى سنخرج من النفق..انتظرني..متى سنخرج من النفق؟
- ألقاكِ ثانيةً أعِدُكِ.. فأنا لا أهرب.. أنا الباقي..
- أنتَ الباقي ونحن الزوال، فلماذا لا نتعلّم منك أن نحيا يومنا وفرحنا ومشاعرنا قبل فوات الأوان؟..
* على هامش مسار قسم التعليم العربيّ بطواقمه المختلفة، وقسم المجتمع والشباب يوم الثلاثاء ٣٠ حزيران، في مدينة صفوريّة، في الحديقة الوطنية صفورية، واحتفاؤنا بخروج زميلنا د. أسعد محاجنة مفتّش الرياضيات إلى التقاعد.. نتمنّى لك بدايات جديدة موفّقة زميلي العزيز..
شكرًا لزميلي المفتّش عمر عصفور على الإرشاد الرائع في الموقع، وعلى المسار الجميل.
* على الهامش: كلّ من لم يزر المكان..قم، خذ معك من تحبّ..واذهب في رحلة إلى المكان عبر الزمان...