إطلالة على كِتَابَيْ الأستاذ عبد الخالق أسدي: عن السيّدة أم كلثوم والرئيس جمال عبد الناصر

د. منير توما

 

أصدر مؤخرًا الأستاذ عبد الخالق أسدي (أبو رامي)، ابن قرية دير الأسد العامرة بأهلها، كتابين لافتين بمضمونهما، الأوّل عن كوكب الشرق سيدة الغناء العربي أم كلثوم، والثاني عن الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر حيث كلّفني الأستاذ عبد الخالق بكتابة المقدمة لكتابهِ عن أم كلثوم، وبعد انجازي لهذه المهمة وصدور الكتابين، رأى الأستاذ عبد الخالق أنّه من الفرادة بمكان أن أقوم بكتابة مقال أو تعقيب عن الكتابين، فتلبيةً لرغبتهِ الغالية سأقدّم في السطور اللاحقة تعليقًا على هذين الكتابين الفريدين.

عند قراءة الكتاب عن السيّدة أم كلثوم نلمس تلك المحبة الفائقة التي يَبثها الكاتب لفن أم كلثوم، صوتًا واداءً وكلمةً ولحنًا، وانطلاقًا من هذه الحقيقة، فإنّ الاستاذ عبد الخالق أسدي يظهِر لنا مدى علو شأن الفنّانة المعجزة والأسطورة في عالم الطرب الأصيل، والغناء الرفيع من خلال صوتها الاستثنائي الساحر ذي الطاقة الهائلة في التعبير والأداء الصوتي. ومن جماليات الفن الكلثومي أنّ الكاتب يستعرض في كتابهِ العلاقة الفنيّة والانسانية والشخصية مع الشاعر الكبير، شاعر الحب والجمال أحمد رامي، والأستاذ الموسيقار رياض السنباطي حيث أنّ الأوّل قد أغنى فن وأغاني أم كلثوم بأشعاره الرقيقة التي تداعب وتلامس الأحاسيس، فيما توّجت الحان الموسيقار السنباطي أغانيها بروعة النغمات الشجية التي جعلت من أغانيها الروح الفيّاضة بالعذوبة والرقي حضاريًا وفنيًّا، وهذا ما هدف إليه الكاتب في حديثهِ عن ذكرى أم كلثوم التي ما توقف عن كتابة المقالات في هذا الكتاب عن ذكرى مرور السنوات على رحيل هذه الفنّانة العظيمة. ولا يمكن أن ينسى الأستاذ عبد الخالق الاشارة دائمًا الى مواقف أم كلثوم الوطنية، وتعداد ما قامت بهِ من جهودٍ فنيّة ومادية لنصرة وطنها والأمة العربية، خصوصًا على أثر النكسات التي تعرّض لها وطنها في بعض الحروب.

ويكتب في هذا الكتاب مقالًا عن لقاء العملاقين أم كلثوم والأستاذ محمد عبد الوهاب في أغنية «انت عمري» مشيرًا الى جهود الرئيس جمال عبد الناصر لاتمام هذا اللقاء بينهما. وما يسترعي الانتباه أن الكاتب يهتم في مقالاته في هذا الكتاب الى ايراد أدق التفاصيل عن سيرة ومسيرة كوكب الشرق التي طغى فنها على ذائقته الفنيّة بشكل يدعو الى الإعجاب بحبهِ لهذا الفن وكأني بهِ يرتشف حلاوة رحيق الصوت والكلمة واللحن ممّا يؤكد الشفافية التي يتحلّى بها الكاتب وعشقهِ الجمالي لهذا الفن.

ويورد الأستاذ أسدي مقتطفات من نصوص أغاني السيدة أم كلثوم لهيامهِ بالكلمات رفيعة المستوى كرباعيات الخيام وقصيدة الأطلال لابراهيم ناجي الطبيب والشاعر الذي تفيض قصائده رقةً ونبرة عاطفية جعلتها مغرية لأهل النغم حيث اشتهرت قصيدة «الأطلال» حين تغنت بها أم كلثوم.

ويخبرنا الكاتب أن أم كلثوم اختارت أن تغني نص أحمد رامي رباعيات الخيام، وذلك لأنّ رامي هو شريك المسار الفني الثري وصديق العمر، وهو قريب منها بوسعه اجراء التعديلات كلما اقتضت الضرورة. كذلك كانت ترجمة رامي في لغة رقيقة سلسة تصلح للغناء. وقد كلّفت أم كلثوم رياض السنباطي مهمة التلحين. وقد توفرت عناصر الجمال في الكلمات واللحن والأداء لتغني المكتبة الموسيقية العربية بواحدة من أجمل الأغنيات بصوت أم كلثوم.

وفي ختام هذه السطور عمّا ورد في الكتاب عن كوكب الشرق أم كلثوم، نجد أنّ الكاتب قد أحسن، لا بل أجاد في التعبير عن مشاعره الفيّاضة وخلجات قلبه الجيّاشة بالمحبة العشقية لصوت وفن وأغاني السيدة أم كلثوم التي نتفق معه في هذا التقدير والاجلال لها ولفنها.

وبانتقالنا الى الحديث عن الكتاب الثاني عن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، يمكننا القول بكل ثقة وتأكيد أنّ ما ورد في مقالات الكتاب يبيّن لنا أنّ حب واعجاب الكاتب بالزعيم جمال عبد الناصر لا يقل عن حبهِ لفن أم كلثوم، فهو يرى فيهما عملاقين من طرازين مختلفين ترسخت في قلبه محبتهما دون منازع. فيستعرض في تفاصيل حديثه عن الرئيس عبد الناصر، إنجازات الزعيم منذ قيامهِ بثورة 23 يوليو 1952 بقيادتهِ للضباط الأحرار، وإلغاء الملكية الفاسدة واعلان الجمهورية، فالرئيس جمال عبد الناصر في نظر الكاتب كما ورد في كتابهِ أدّى لوطنهِ الكثير من الخدمات على مدى سنوات طوال، فهو من قام بالاصلاح الزراعي، ووزّع الأراضي على الفلاحين الفقراء، وقدّم لهم الحريّة بإلغاء طغيان القهر والإقطاع، كما قام بتأميم قناة السويس عام 1956 متحدّيًا العدوان الثلاثي، ويقوم بعدها ببناء السد العالي، ويتم عام 1958 إنشاء الوحدة بين مصر وسوريا بعد التوقيع عليها من قِبل الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس السوري شكري القوتلي ليعلنا قيام الجمهورية العربية المتحدة. ويشدِّد الاستاذ عبد الخالق على محبة الجماهير العربية من المحيط الى الخليج للرئيس جمال عبد الناصر الذي يصفه بقائد القومية العربية في كلمة الإهداء التي يوجهها الى محبي الزعيم عبد الناصر الذين احبوا العرب والعروبة والناصرية، مهديًا مقالاته في الكتاب لروحهِ لتبقى ذكراه خالدة الى الأبد.

ويستذكر الكاتب نضال الرئيس جمال عبد الناصر في التوصّل الى اتفاقية جلاء الانجليز عن بلادهِ مبينًا مسيرة الرئيس على مدار السنوات اللاحقة في رعاية المصالح العربية والدفاع عن شعوب العالم العربي في وجه المؤامرات وهموم الأمة. وقد برز دوره في رأب الصدع واصلاح ذات البين بين المتنازعين في الدول العربية كما حصل عام 1970 في الأردن بشأن القضية الفلسطينية.

ويأسف الاستاذ عبد الخالق لحادث إنفصال الوحدة بين مصر وسوريا عام 1961 واصفًا ذلك بالمؤامرة الاستعمارية.

ولا ينسى الكاتب التطّرق الى ما أصاب مصر والأمة العربية من نكسة عام 1967 في عهد الرئيس جمال عبد الناصر الذي تحّمل مسؤولية الهزيمة محلّلا ما حدث بعد ذلك وما وقع عام 1970 برحيل الزعيم جمال عبد الناصر إثر نوبة قلبية.

إن ما ورد في مقالات الكتاب عن جمال عبد الناصر يشكِّل تاريخًا موجزًا لمصر في فترة حكم الرئيس عبد الناصر، وقد أبلى الكاتب بلاءً حسنًا في ذكر العديد من التفاصيل التي تعود بذاكرة القرّاء المعاصرين لفترة الرئيس عبد الناصر لتستعيد تلك الذكريات من مشاهير الأشخاص في عهدهِ كالصحفي الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل وأحد الضباط الأحرار المشهورين خالد محي الدين الذي يرى الكاتب في وفاتهِ بأنّها وفاة آخر الضباط الأحرار، ويكرّس الكاتب مقالًا عنه، وكذلك عن الأستاذ هيكل الذي كان موضع ثقة الرئيس عبد الناصر.

ومن الملاحظ أن المؤلف يدين ويستنكر أولئك الذين عملوا على تشويه صورة وذكرى الرئيس ناصر، مشيدًا بشخصيتهِ وأمانته واخلاصه لبلدهِ وبُعْدِه عن الفساد، ومحبة الجماهير العربية لهُ واخلاصها لذكراه ولثورة 23 يوليو 1952 الذي حلم من خلالها بقيام الوحدة العربية التي يرى الكاتب في أنها خبت وفترت بعد رحيل الزعيم جمال عبد الناصر الذي افنى حياته في سبيلها ولم ينجح في الوصول إليها. وهنا يستدرك الكاتب بالقول أنّ العرب «اليوم بحاجة الى العودة الى الفكر الناصري والقيادة الناصرية القائمة على الوحدة العربية وعلى القرار العربي الحر». ويقول الكاتب في مقالاته الأخيرة من الكتاب إن «جمال عبد الناصر في قلوب الملايين لا يزيده الغياب إلّا حضورًا».

وهكذا نختتم تناولنا بالبحث والدراسة لكتابي الأستاذ عبد الخالق أسدي عن أم كلثوم وجمال عبد الناصر لنحيي الكاتب الذي يستحق الاطراء والثناء على مجهوده متمنين له موفور الصحة والعمر المديد، ودوام التوفيق والعطاء.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع الملتقى بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير نأمل ان تعجبكم