عند قارعة الطّريق بقلم: سهير شحادة

حفظتُ الطّريقَ والمكانَ عن ظهر قلب، كأنّه طُبعَ في ذاكرتي، كيف لا وأنا أقود مركبتي بوتيرة ثابتة إلى هذا المكانِ الّذي كان يقفُ فيه ذلك الفتى الأسمر عندَ قارعة الطَّريق؟! وأنا في كلّ مرّة أصل فيها إلى هنا تبدأ عيناي في البحث عنه على امتداد الشّارع وعند جانبيه.

لم أكن الوحيدة الّتي تبحث عنه، بل ابني الّذي يبلغ العاشرة من العمر هو أيضًا كان مهتمًّا في البحث عنه.

اِلتقينا بهِ للمرّة الأولى قبل عدّة أسابيع، حينها تعطّلت الإشارة الضّوئيّة لمدّة وجيزة وبدأت المناورات بين المركبات تتفاقم؛ مَن يحقّ له المرور أوّلًا ومَن عليهِ الانتظار...وعلت الصّفّارات المنطلِقة من بعض المركبات وبعض الأناس...وفي وسط تلك الجلبة ظهر فتى أمام النّافذة الجانبيّة للسيّارة، وشرع ينظّف الزّجاج ويلمّعه بخرقة بالية تعاني القذارة كأنّها لم تر وجه الماء منذ فترة طويلة.

بدأ الفتى الأسمر يلمّع الواجهة الأماميّة، وهو يتمعّن في زجاج المركبة كلّه، كأنّه يتتبّع كتيبة عسكريّة أرسلها العدو، وهو بدوره الشّجاع ينوي القضاء عليها. كان الفتى يقوم بعمله بمنتهى الجدّيّة وبمنتهى التّعب. وأنا في المقابل رحت أحملق في وجهه الكئيب وصرتُ أحدّث نفسي بأنّ لا بدّ لأيّ أحد في مكاني أن يشتمّ رائحة المعاناة الّتي تفوح من شعره الأشعث، جسده النّحيل وأَصابعه الّتي يبدو أنّها باتت غليظة بفعل معارك الحياة الّتي يخوضها هذا الفتى منذ دهور.

مرّت دقائق بدت كأنّها سنوات وهي سنوات أستذكر فيها ما عاشه ويعيشه طفلي من مرح ولعب واهتمام منذ أن أبصر النّور...سنوات مغمورة بالحبّ والعناية، وفي لياليها كان ولا يزال يستمتع ويتلذّذ لسماع الأخبار وحكايات الجدّة عن أبطال مثل الشّاطر حسن وعلاء الدّين وغيرهما ممّن حقّقوا العدالة فأنقذوا الفقير والضّعيف وقصص أخرى أخبرت عن البطل الشّجاع المِقدام وجُرأة الخائف وفرحِ الحزين وانتهت بحلٍّ قد يتحقّق وقد لا يتحقّق.

عادت الإشارة الضّوئيّة تعمل وانتظمت حركة السّير بعدها بقليل.

أنزلتُ زجاج النّافذة وكلِّي أملٍ بأنّني سأرى ابتسامة غائبة تنتظر العودة بشوق إلى محيّاه. ناولته بعض النّقود وأنا أمعن النّظر في عينيه، لعلّ نظرة فرح قد تطلّ من هناك، لكنه أخذ النّقود ببرودةٍ وجفاء شعرتُ فيها بقساوة الحياة عليه ولؤمها تجاهه ...لم يكترث الفتى للنّقود بتاتًا بل سألَ بغير استعطاف:

" معك مي؟"

"لا..."

"شراب...عصير...أيّ اشي..."

"لا...آسفة، معيش عصير ولا مي...نسيت أجيب معي..." رحتُ أعتذر له وشعور من الضّيق يستوطن بي.

" معي "تشيبس"...إذا بدك خود الكيس كلّه" قال ولدي الصّغير محاولًا مساعدته...

"لا...بدي مي...خالتي وحياتك ...روحي اشتريلي مي وارجعي ..."

نظرتُ إلى شفتيهِ المُتشَقِّقتينِ الجافَتَيْنِ ورحتُ أَجول بنظري يمينًا ويسارًا فأدركت حينها بأَنّني لا أزال أقف عند مفترق لطريق سريع، تكثر فيه الأشجار الكثيفة، وتنعدم المحلّات التّجاريّة.

" ما في دكاكين بالمنطقة...روح اسأل اذا في مع حدا تاني مي... أو حدا من الاولاد اللي معك ..." أجبتُهُ وأنا على يقين بأَن الفتية الّذين يقومون بعمل مشابه يفتقرون للماء والطّعام وأشياء أخرى...فَكُلّهم يبدو عليهم ذات الشّقاء وذات المعاناة من الظّمأ... وكلّ أنواع الظّمأ!!

انطلقت المركبة بعد ظهور الشّارة الخضراء ورحت أرقُبُهُ من المرآة الأماميّة تارة ومن المرآة الجانبيّة تارة أخرى حتّى غاب عن الأنظار.

إحساسٌ من الذّنب جثم على صدري بقوّةِ جعلني بعدها أتنفّس أنفاسًا متقطّعة، لا سيّما بعد أن أنزل عليّ صغيري وابلًا من الأسئلة:

"ألا يرتاد هذا الفتى المدرسة؟!

أين أمّ هذا الفتى؟ كيف تتركه يعمل هنا على قارعة الطّريق؟

وأبوه، هل مات؟! أين بيته؟ هل بيته بعيد من هنا؟

كيف أتى إلى هنا؟

أسئلة لا تنتهي وإجابات مشحونة بتفسيرات مبعثرة وجمل مقتضبة... إجابات بعيدة عمّا قد يستوعبه عقل طفل يريد إجابات تريح نفسه وتبعث الطّمأنينة في قلبه.

لا أعلم ما الّذي جعلني أهجُس في أمر الفتى طويلًا!! ولم أفهم لماذا رحتُ أتذكّر الخرقة البالية التي كان يمسك بها عند مسح زجاج السّيّارة وقذارتها!! لكنّني عدتُ وتذكّرت الفتى وعطشه للماء.

بدأت تظهر ملامح المحلات التّجاريّة على جانبيّ الطّريق بعد مرور أكثر من نصف ساعة، فكانت هذه المنطقة السّكنيّة تمتد على مساحات كبيرة تضمّ عدّة بلدات تعجّ فيها البنايات والمراكز والمؤسسّات وأولاد همّهم اللّعب والمرح..

"هيّا نشتري للفتى قنينة ماء وبعض الطّعام...لا بدّ أنّه جائع، ربّما لم يجد مَنْ يعطيه الماء!" قال ابني هذا، وإمارات الذّهول راحت تتغلغل في نفسي.

"لقد ابتعدنا عنه كثيرا، وصار من الصّعب الرّجوع إليه الآن...ولا تنسى بأَنَّ الوقت يداهمنا وعلينا أن نصل إلى المركز في الموعد المحدّد".

عدنا إلى البيت في ساعة متأخّرة من اللّيل. ارتمى الصّغير على سريره وهو يتمتم: لا بدّ أنّه عَطِش، كان علينا أن نعود إليه...

لم يعرف النّوم سبيلًا إلى جفوني...كيف أَنام وصغيري لا يزال يفكّر بذلك الفتى؟ كيف سيهدأُ قلبي وأنا عاجزة أمام هذا الموقف؟؟

منذ ذلك اليوم وعند السّفر في سيّارتي يأبى صغيري مرافقتي إلّا وهو مزوّد ببعض الطّعام والماء. ينتابهُ إحساس من المسؤولية والاهتمام خاصّة عندما تقترب المركبة من مفترق طرق...

هو يشعر بفرحة عامرة ممزوجة بعاطفة غريبة تجاه هؤلاء الفتية، بينما أشعر أنا بنوع من الضّياع المستمر، كأنّنا ندور في حلقات ضيّقة تعود بنا لندور مرّة أخرى في حلقات تزداد وسعًا وتعاسة...

هو يشعر كأنّه يقوم بدور بطوليّ كما علّمته القصص الحكايات حيث الصّور الملوّنة بألوانها الزّاهية، ويجهل ما يقدّمه من حلّ إنسانيّ ذي وجهَيْن...وأنا بدوري لا ألومه، فهو يرغب بأَن يسمو بأخلاقه العالية وبأعمالهِ الخيِّرة.

إنّه حتّى الآن لا يزال يبحث عن وجه ذلك الفتى الّذي طلب ماءً فلم يجد...كيف سيتعرّف عليه والوجوه هناك متشابهة والأجساد كذلك تحمل نفس المزايا والصّفات؟!! كيف سيعثر عليه وعوارض المعاناة متأصّلة في وجوه هؤلاء الفتية.

وأنا اليوم لا أروم شيئًا في الوقت الحاليّ إلّا أن يعيش ابني إنسانيّته كما يعرفها في تلك القصص والحكايات. ربّما يكبر ولدي في حلقات تزداد إنسانيّة وتتّسع فيها بوادر الأمل والفرح نحو غدٍ أفضل...

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع الملتقى بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير نأمل ان تعجبكم